طالوت وجالوت من هم

 حينما هزم الإيمانُ الجبروت

في زمنٍ بعيد، حين كان بنو إسرائيل يعيشون في ضعفٍ وضياع، تشتتت صفوفهم وتغلبت عليهم الأعداء، حتى فقدوا هيبتهم بين الأمم. لم يعد فيهم ملك يوحّدهم، ولا نبي يقودهم، وذاقوا ذلّ الهزيمة طويلاً...

لكن الأمل لم يمت. ذات يوم، اجتمع شيوخ بني إسرائيل وقالوا لنبيّهم:

"ابعث لنا ملكًا نقاتل تحت رايته في سبيل الله."

رد النبي، وهو يعلم تقلب قلوبهم:

"هل عسيتم إن كُتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟"

فأقسموا أنهم سيفعلون، فقد أُخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وما عاد في الصبر طاقة. فأوحى الله إلى نبيهم أن الله قد اختار لهم طالوت ملكًا... وهنا جاءت المفاجأة!

كان طالوت شابًا قويًا، لكن لا نسب له في الملوك، ولا مال في يده. فتعجب القوم وقالوا:

"أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه؟"

فأجابهم النبي:

"إن الله اصطفاه عليكم، وزاده بسطةً في العلم والجسم."

ولكي يُطمئن قلوبهم، أعطاهم الله آية تدل على صدق اختياره: سيعود إليهم تابوت العهد، ذاك الصندوق المقدّس الذي يحوي بقايا من آل موسى وهارون، وتحمله الملائكة! وفعلاً، جاءهم التابوت... فآمن من آمن، وتردد من تردد.

 الاستعداد للحرب: اختبار النهر

قاد طالوت جيشًا من المؤمنين، وانطلقوا لملاقاة العدو. لكن طالوت، القائد الحكيم، أراد أن يختبر صدقهم قبل المعركة الحاسمة.

حينما هزم الإيمانُ الجبروت



قال لهم عند نهر:

"من شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني، إلا من اغترف غرفة بيده."

كانت الشمس حارقة، والعطش شديدًا... فسقط كثيرون في الاختبار، وشربوا حتى ارتووا. لم يبقَ مع طالوت إلا قلة مؤمنة، صابرة، تثق بالله رغم كل شيء.

⚔️ المواجهة الكبرى: داوود ضد جالوت

وصل الجيش القليل أمام جيشٍ عظيم بقيادة جالوت، رجل ضخم، مدجج بالسلاح، مرعب في هيئته، لا يُقهر في أعين الناس.

حين رأى الجنود ضخامة جيش جالوت، قال بعضهم بقلوب خائفة:

"لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده..."

لكن قلةً صادقةً قالت:

"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين."

هنا ظهر بطلٌ صغير، شابٌ لم يحمل سيفًا عظيمًا، بل كان يحمل قلبًا عظيمًا. إنه داوود، راعٍ شاب من بني إسرائيل، تطوّع لمواجهة جالوت.

وقف أمام العملاق الجبار، لا سيف ولا درع، فقط مقلاع (نبلة) وبعض الحجارة، وإيمان لا يُهزم.

أخذ داوود حجراً، ووضعه في مقلاعه، ثم أطلقه بقوة ودقة... فأصاب جالوت في جبهته فسقط قتيلاً في لحظته!

ذهل الجنود، وتزلزل جيش الأعداء، واندحروا سريعًا.

👑 من راعٍ إلى ملك

بعد تلك المعركة، رفع الله شأن داوود، وآتاه النبوة والملك والحكمة، وأصبح لاحقًا ملك بني إسرائيل وأحد أعظم أنبيائهم.

أما طالوت، فقد أثبت أن القيادة لا تحتاج إلى مال أو نسب، بل إلى إخلاص وحكمة وشجاعة.

 الرسالة الخالدة

  • لا ينتصر الأقوى جسدًا، بل الأقوى إيمانًا.
  • الابتلاءات تمحّص الصفوف، وتُظهر المعادن.
  • النصر ليس بالعدد والعتاد، بل بتأييد من الله.
"والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار."
(سورة البقرة: 251)

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال